فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَإِذْ قال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ}
معناه اذكر لقومك هذه القصة، و{إِذْ} منصوب بإضمار اذكر أي حين قال لهم: {تُؤْذُونَنِي} وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى قولا وفعلًا، فقالوا: {أَرِنَا الله جَهْرَةً} [النساء: 153]، {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} [البقرة: 61] وقيل: قد رموه بالأدرة، وقوله تعالى: {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ الله} في موضع الحال، أي تؤذونني عالمين علمًا قطعيًا أني رسول الله وقضية علمكم بذلك موجبة للتعظيم والتوقير، وقوله: {فَلَمَّا زَاغُواْ} أي مالوا إلى غير الحق {أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} أي أمالها عن الحق، وهو قول ابن عباس وقال مقاتل: {زَاغُواْ} أي عدلوا عن الحق بأبدانهم {أَزَاغَ الله} أي أمال الله قلوبهم عن الحق وأضلهم جزاء ما عملوا، ويدل عليه قوله تعالى: {والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين} قال أبو إسحق معناه: والله لا يهدي من سبق في عمله أنه فاسق، وفي هذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى {وَقَدْ} معناه التوكيد كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينيًا لا شبهة لكم فيه.
{وَإِذْ قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ}
قوله: {إِنّي رَسُولُ الله} أي اذكروا أني رسول الله أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به في التوراة ومصدقًا بالتوراة وبكتب الله وبأنبيائه جميعًا ممن تقدم وتأخر {وَمُبَشّرًا بِرَسُولٍ} يصدق بالتوراة على مثل تصديقي، فكأنه قيل له: ما اسمه؟ فقال: {اسمه أحمد}، فقوله: {يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ} جملتان في موضع الجر لأنهما صفتان للنكرة التي هي رسول، وفي {بَعْدِي اسمه} قراءتان تحريك الياء بالفتح على الأصل، وهو الاختيار عند الخليل وسيبويه في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء ساكنين وإسكانها، كما في قوله تعالى: {وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ} [نوح: 28] فمن أسكن في قوله: {مِن بَعْدِي اسمه} حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين، وهما الياء والسين من اسمه، قاله المبرد وأبو علي، وقوله تعالى: {أَحْمَدُ} يحتمل معنيين أحدهما: المبالغة في الفاعل، يعني أنه أكثر حمدًا لله من غيره وثانيهما: المبالغة من المفعول، يعني أنه يحمد بما فيه من الإخلاص والأخلاق الحسنة أكثر ما يحمد غيره.
ولنذكر الآن بعض ما جاء به عيسى عليه السلام، بمقدم سيدنا محمد عليه السلام في الإنجيل في عدة مواضع أولها: في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: وأنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم، ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد، والفارقليط هو روح الحق اليقين. هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي، وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ: وأما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي، ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء، وهو يذكركم ما قلت لكم. ثم ذكر بعد ذلك بقليل: وإني قد خبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون. وثانيها: ذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا: ولكن أقول لكم الآن حقًا يقينًا انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط، وإن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، ويدينهم ويمنحهم ويوقفهم على الخطيئة والبر والدين. وثالثها: ذكر بعد ذلك بقليل هكذا: فإن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم، ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ به، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه. هذا ما في الإنجيل، فإن قيل: المراد بفارقليط إذا جاء يرشدهم إلى الحق ويعلمهم الشريعة، وهو عيسى يجيء بعد الصلب؟ نقول: ذكر الحواريون في آخر الإنجيل أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئًا من الشريعة، وما علمهم شيئًا من الأحكام، وما لبث عندهم إلا لحظة، وما تكلم إلا قليلًا، مثل أنه قال: أنا المسيح فلا تظنوني ميتًا، بل أنا ناج عند الله ناظر إليكم، وإني ما أوحي بعد ذلك إليكم. فهذا تمام الكلام، وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُم بالبينات} قيل: هو عيسى، وقيل: هو محمد، ويدل على أن الذي جاءهم بالبينات جاءهم بالمعجزات والبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء به من عند الله، وقوله تعالى: {هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ساحر مبين. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَإِذْ قال موسى لِقَوْمِهِ}
لما ذكر أمر الجهاد بيّن أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله؛ وحلّ العقاب بمن خالفهما؛ أي واذكر لقومك يا محمد هذه القصة.
قوله تعالى: {يا قوم لِمَ تُؤْذُونَنِي} وذلك حين رَموْه بالأدْرَة؛ حسب ما تقدّم في آخر سورة (الأحزاب).
ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون: إنه دس إلى امرأة تَدّعي على موسى الفجور.
ومن الأذى قولهم: {اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138].
وقولهم: {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا} [المائدة: 24].
وقولهم: إنك قتلت هارون.
وقد تقدّم هذا.
{وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ} والرسول يحترم ويعظَّم.
ودخلت {قد} على {تعلمون} للتأكيد؛ كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينًا لا شبهة لكم فيه.
{فَلَمَّا زاغوا} أي مالوا عن الحق {أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} أي أمالها عن الهُدَى.
وقيل: {فَلَمَّا زاغوا} عن الطاعة {أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} عن الهداية.
وقيل: {فَلَمَّا زاغوا} عن الإيمان {أَزَاغَ الله} عن الثواب.
وقيل: أي لما تركوا ما أمِرُوا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة الرب، خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم.
قوله تعالى: {وَإِذْ قال عِيسَى ابن مَرْيَمَ} أي واذكر لهم هذه القصة أيضًا.
وقال: {يا بني إِسْرَائِيلَ} ولم يقل {يا قوم} كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه {إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم} أي بالإنجيل.
{مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة} لأن في التوراة صفتي، وأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة فتنفروا عني.
{وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ} مصدقًا.
{ومبشّرًا} نصب على الحال؛ والعامل فيها معنى الإرسال.
و{إليكم} صلة الرسول.
{يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {مِنْ بَعْدِيَ} بفتح الياء.
وهي قراءة السُّلَمِي وزِرّ بن حُبَيش وأبي بكر عن عاصم.
واختاره أبو حاتم لأنه اسم؛ مثل الكاف من بعدك، والتاء من قمت.
الباقون بالإسكان.
وقرئ: {من بعدى اسمه أحمد} بحذف الياء من اللفظ.
و{أحمد} اسم نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
وهو اسم عَلَمٍ منقول من صفة لا من فعل؛ فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل.
فمعنى {أحمد} أي أَحْمَدُ الحامدين لربِّه.
والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون الله، ونبِيُّنا أحمد أكثرهم حمدًا.
وأما محمد فمنقول من صفة أيضًا، وهي في معنى محمود؛ ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار.
فالمحمَّد هو الذي حُمِد مَرّةً بعد مرةً.
كما أن المُكَرَّم من الكرم مرة بعد مرة.
وكذلك الممدَّح ونحو ذلك.
فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سمّاه قبل أن يُسَمِّيَ به نفسه.
فهذا عَلَمٌ من أعلام نبوّته، إذ كان اسمه صادقًا عليه؛ فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة.
وهو محمود في الآخرة بالشفاعة.
فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ.
ثم إنه لم يكن مُحَمَّدًا حتى كان أحمدَ، حَمِد ربَّه فَنّبأه وشرّفه؛ فلذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال: {اسمُهُ أَحمَدُ}.
وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللَّهُمَّ اجعلني من أمة أحمد.
فبأحمد ذَكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حَمْدَه لربّه كان قبل حمد الناس له.
فلما وُجد وبُعث كان محمدًا بالفعل.
وكذلك في الشفاعة يحمد ربّه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته.
وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عَبَدة الأوثان واسمي في الإنجيل أحمد واسمي في القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض» وفي الصحيح: «لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قَدَمي وأنا العاقب» وقد تقدّم.
{فَلَمَّا جَاءَهُم بالبينات} قيل عيسى.
وقيل محمد صلى الله عليه وسلم.
{قالواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ} قرأ الكسائي وحمزة {ساحر} نعتًا للرجل.
وروي أنها قراءة ابن مسعود.
الباقون {سِحر} نعتا لما جاء به الرسول. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَإِذْ قال موسى لِقَوْمِهِ يا قوم قَوْمٍ لَّمْ تُؤْذُونَنِي}
كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال {وَإِذْ} منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين أي اذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى عليه السلام لبني إسرائيل حين ندبهم إلى قتال الجبابرة بقوله: {العالمين يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ التي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين} فلم يمتثلوا لأمره عليه السلام وعصوه أشد عصيان حيث قالوا: {قالوا يا موسى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا داخلون} [المائدة: 21] إلى قوله تعالى: {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون} [المائدة: 22] إلى قوله تعالى: {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] وأصروا على ذلك كل الإصرار وآذوه عليه السلام كل الأذية فوبخهم على ذلك بقوله: {لِقَوْمِهِ يا قوم لِمَ تُؤْذُونَنِي} [الصف: 5] بالمخالفة والعصيان فيما أمرتكم به {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ} جملة حالية مؤكدة لإنكار الإيذاء ون في سببه {وَقَدْ} لتحقيق العلم لا للتقليل ولا للتقريب لعدم مناسبة ذلك للمقام، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار أي والحال أنكم تعلمون علمًا قطعيًا مستمرًا بمشاهدة ما ظهر على يدي من المعجزات الباهرة التي معظمها إهلاك عدوكم وإنجائكم من ملكته أني رسول الله إليكم لأرشدكم إلى خيري الدنيا والآخرة، ومن قضية علمكم بذلك أن تبالغوا في تعظيمي وتسارعوا إلى طاعتي {فَلَمَّا زَاغُواْ} أي أصروا على الزيغ والانحراف عن الحق الذي جاء به عليه السلام واستمروا عليه {أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} أي صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب لصرف اختيارهم نحو العمى والضلال، وقيل:
أي فلما زاغوا في نفس الأمر وبمقتضى ما هم عليه فيها أزاغ الله تعالى في الخارج قلوبهم إذ الإيجاد على حسب الإرادة.
والإرادة على حسب العلم.
والعلم على حسب ما عليه الشيء في نفس الأمر، وعلى الوجهين لا إشكال في الترتيب، وقوله تعالى: {والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين} اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله من الإزاغة ومؤذن بعلته أي لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة.
ومنهاج الحق المصرين على الغواية هداية موصلة إلى البغية، وإلا فالهداية إلى ما يوصل إليها شاملة للكل، والمراد بهم إما المذكورون خاصة والإظهار في مقام الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية به، أو جنس الفاسقين وهم داخلون في حكمهم دخولًا أوليًا، قيل: وأيًا مّا كان فهو ناظر إلى ما في قوله تعالى: {فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين} [المائدة: 25] وقوله سبحانه: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين} [المائدة: 26] هذا وقيل: إذ ظرف متعلق بفعل مقدر يدل عليه ما بعده كزاغوا ونحوه، والجملة معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة.
وذهب بعضهم إلى أن إيذاءهم إياه عليه السلام بما كان من انتقاصه وعيبه في نفسه وجحود آياته وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه وعبادتهم البقر وطلبهم رؤية الله سبحانه جهرة والتكذيب الذي هو حق الله تعالى وحقه عليه السلام، وما ذكر أولا هو الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم ويرتضيه الذوق السليم:
{وَإِذْ قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)}
{وَإِذْ قال عِيسَى ابن مَرْيَمَ} إما معطوف على {إذ} [الصف: 5] الأولى معمول لعاملها، وإما معمول لمضمر معطوف على عاملها {يا بني إسرائيل} ولعله عليه السلام لم يقل {إِنَّ قَوْمِي} كما قال موسى عليه السلام بل قال: {مَعِيَ بني إسرائيل} لأنه ليس له النسب المعتاد وهو ما كان من قبل الأب فيهم، أو إشارة إلى أنه عامل بالتوراة وأنه مثلهم في أنه من قوم موسى عليه السلام هضمًا لنفسه بأنه لا أتباع له ولا قوم، وفيه من الاستعطاف ما فيه، وقيل: إن الاستعطاف بما ذكر لما فيه من التعظيم، وقد كانوا يفتخرون بنسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام.
{إِنّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ} أي مرسل منه تعالى إليكم حال كوني مصدقًا، فنصب {بيحيى مُصَدّقًا} على الحال من الضمير المستتر في {رَّسُولٍ} وهو العامل فيه، و{إِلَيْكُمْ} متعلق به، وهو ظرف لغو لا ضمير فيه ليكون صاحب حال، وذكر هذا الحال لأنه من أقوى الدواعي إلى تصديقهم إياه عليه السلام، وقوله تعالى: {وَمُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي} معطوف على {مُصَدّقًا}، وهو داع أيضًا إلى تصديقه عليه السلام من حيث أن البشارة بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم واقعة في التوراة كقوله تعالى في الفصل العشرين من السفر الخامس: منها أقبل الله من سينا وتجلى من ساعير وظهر من جبال فاران معه الربوات الأطهار عن يمينه، وقوله سبحانه في الفصل الحادي عشر من هذا السفر: يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيًا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي في فيه، ويقول لهم ما آمره فيه، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه إلى غير ذلك، ويتضمن كلامه عليه السلام أن دينه التصديق بكتب الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام جميعا من تقدم ومن تأخر، وجملة {يَأْتِيَ} إلخ في موضع الصفة لرسول وكذا جملة قوله تعالى: {اسمه أَحْمَدُ} وهذا الاسم الجليل علم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه قول حسان:
صلى الإله ومن يحف بعرشه ** والطيبون على المبارك أحمد

وصح من رواية مالك، والبخاري، ومسلم، والدارمي، والترمذي. والنسائي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب». والعاقب الذي ليس بعده نبي وهو منقول من المضارع للمتكلم.
أو من أفعل التفضيل من الحامدية، وجوز أن يكون من المحمودية بناءًا على أنه قد سمع أحمد اسم تفضيل منها نحو العود أحمد، وإلا فأفعل من المبني للمفعول ليس بقياسي، وقرئ {مِن بَعْدِى} بفتح الياء، هذا وبشارته عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم مما نطق به القرآن المعجز، فإنكار النصارى ذلك ضرب من الهذيان، وقولهم: لو وقعت لذكرت في الإنجيل الملازمة فيه ممنوعة، وإذا سلمت قلنا: بوقوعها في الإنجيل إلا أن جامعيه بعد رفع عيسى عليه السلام أهملوها اكتفاءً بما في التوراة ومزامير داود عليه السلام وكتب شعياء وحبقوق وأرمياء وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام.
ويجوز أن يكونوا قد ذكروها إلا أن علماء النصارى بعد حبًا لدينهم أو لأمر ما غير ذلك أسقطوها كذا قيل، وأنا أقول: الأناجيل التي عند النصارى أربعة: إنجيل متى من الاثني عشر الحواريين جمعه باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد رفع عيسى عليه السلام بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحا، وإنجيل مرقص وهو من السبعين جمعه باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد الرفع باثنتي عشرة سنة وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحًا، وإنجيل لوقا وهو من السبعين أيضًا جمعه بالإسكندرية باللغة اليونانية وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحًا، وإنجيل يوحنا وهو حبيب المسيح جمعه بمدينة إفسس من بلاد رومية بعد الرفع بثلاثين سنة وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحًا وهي مختلفة، وفيها ما يشهد الإنصاف بأنه ليس كلام الله عز وجل ولا كلام عيسى عليه السلام كقصة صلبه الذي يزعمونه ودفنه ورفعه من قبره إلى السماء فما هي إلا كتواريخ وتراجم فيها شرح بعض أحوال عيسى عليه السلام ولادة ورفعًا ونحو ذلك، وبعض كلمات له عليه السلام على نحو بعض الكتب المؤلفة في بعض الأكابر والصالحين فلا يضر إهمالها بعض الأحوال، والكلمات التي نطق القرآن العظيم بها ككلامه عليه السلام في المهد وبشارته بنبينا صلى الله عليه وسلم على أن في إنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أنصف وسلك الصراط السوي وما تعسفا، ففي الفصل الخامس عشر منه قال يسوع المسيح: إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي يعلمكم كل شيء، وقال يوحنا أيضًا: قال المسيح: من يحبني يحفظ كلمتي وأبي بحيه وإليه يأتي وعنده يتخذ المنزلة كلمتكم بهذا لأني لست عندكم بمقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني منطلق وعائد إليكم لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمضيي إلى الأب، وقال أيضًا: إن خيرًا لكم أن أنطلق لأبي إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة وإن لي كلامًا كثيرًا أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب، وقال أيضًا: إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطًا آخر يثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه ولست أدعكم أيتامًا لأني سآتيكم من قريب، والفارقليط لفظ يؤذن بالحمد، وتعين إرادته صلى الله عليه وسلم من كلامه عليه السلام مما لا غبار عليه لمن كشف الله تعالى غشاوة التعصب عن عينيه، وقد فسره بعض النصارى بالحماد، وبعضهم بالحامد فيكون في مدلوله إشارة إلى اسمه عليه الصلاة والسلام أحمد، وفسره بعضهم بالمخلص لقوله عيسى عليه السلام: فالله يرسل مخلصًا آخر فلا يكون ما ذكر بشارة به صلى الله عليه وسلم بعنوان الحمد لكنه بشارة به صلى الله عليه وسلم بعنوان التخليص، فيستدل به على ثبوت رسالته صلى الله عليه وسلم، وإن لم يستدل به على ما في الآية هنا، وزعم بعضهم أن الفارقليط إشارة إلى ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلوا الآيات والعجائب، ولا يخفى أن وصفه بآخر يأبى ذلك إذ لم يتقدم لهم غيره {فَلَمَّا جَاءَهُمْ} أي عيسى عليه السلام {بالبَيِّنَات} أي بالمعجزات الظاهرة.
{قالوا هَذَا سحْرٌ مُّبينٌ} مشيرين إلى ما جاء به عليه السلام، فالتذكير بهذا الاعتبار، وقيل: مشيرين إليه عليه السلام وتسميته سحرًا للمبالغة، ويؤيده قراءة عبد الله وطلحة والأعمش وابن وثاب {هذا ساحر} وكون فاعل {جاءهم} ضمير عيسى عليه السلام هو الظاهر لأنه المحدث عنه، وقيل: هو ضمير {أحمد} عليه الصلاة والسلام لما فرغ من كلام عيسى تطرق إلى الإخبار عن أحمد صلى الله عليه وسلم أي فلما جاء أحمد هؤلاء الكفار بالبينات {قالوا} إلخ. اهـ.